محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

139

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

واللحظات التي يتحوّل فيها النسق الثقافي إلى نسق إيديولوجي . ولا يمكننا التوصل إلى تحديد أهمية كل من هذين النسقين إلّا بعد أن ننتهي كليا من قراءة النصّ . النسق التأويلي أو الباطني : وهو الأهمّ . وذلك لأنه من وجهة نظر المفسّر ، فإن جميع الإنسان السابقة تسير باتجاهه وتتلاقى حوله لكي تتوصل إلى المعنى الأخير للنصّ القرآني . وأهمية هذا النسق تكمن في ما يلي : بالنسبة للرازي كما بالنسبة للوعي الإسلامي كله ، فإن وجود المعنى الأخير في القرآن شيء مؤكد ولا يرقى إليه الشك . يضاف إلى ذلك ، أنه من الممكن ، ضمن بعض الشروط المعينة والدقيقة ، أن نعيّن أو نسمّي هذا المعنى الأخير . وهكذا تصطدم قراءتنا الخاصة بمشكلتين أساسيتين : 1 ) هل نستطيع ، نحن بدورنا ، أن نطلق حكمنا على المعنى الأخير في القرآن ؟ 2 ) على أي مستوى يمكن أن نموضع المعنى الأخير المكتشف أو المحدّد من قبل الرازي ، أو أي مفسّر إسلامي كلاسيكي ؟ هل نموضعه على المستوى الديني ، أم الرمزي ، أم الثقافي ، أم الأنطولوجي ؟ بمعنى آخر : ما الذي يفرّق ، ثم ما الذي لا يزال يجمع بين بحثنا عن المعنى ، وبين بحث الفكر الإسلامي الموروث ؟ وهكذا يرى القارئ أن الأمر لا يتعلق بمجرد ترتيب للنصّ الثاني عن طريق تصنيف الأنساق أتي تتحكّم به ، وإنما الهدف هو أن نشكّل تيبولوجيا للمعنى عن طريق معارضة الأصلي بالثقافي ، والرمز بالعلامة ، والتربية الفكرية بالإيديولوجيا ، واللغة المثالية أو المجازية باللغة العقلانية المركزية المغلقة على ذاتها . إليكم على سبيل المثال أحد المقاطع الذي تتجلى فيه هذه المتضادات عن طريق الإيحاء أو التسمية الصريحة : « الفائدة الثانية عشرة : الحمد للّه كلمة شريفة جليلة لكن لا بد من ذكرها في موضعها ، وإلّا لم يحصل المقصود منها . قيل لسري السقطي : كيف يجب الإتيان بالطاعة ؟ قال : أنا منذ ثلاثين سنة أستغفر اللّه عن قولي مرة واحدة الحمد للّه . فقيل : كيف ذلك ؟ قال : وقع الحريق في بغداد واحترقت الدكاكين والدور فأخبروني أن دكاني لم يحترق ، فقلت الحمد للّه . وكان معناه أني فرحت ببقاء دكاني حال احتراق دكاكين الناس . وكان حق الدين والمروءة ألا أفرح بذلك . فأنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة عن قولي الحمد للّه . فثبت بهذا أن هذه الكلمة وإن كانت جليلة القدر إلّا أنه يجب رعاية موضعها . ثم إن نعم اللّه على العبد

--> - هو الذي شكّل فلسفة قادرة على طرح مشاكل الإيمان واللاهوت الإسلامي . هذا في حين أن الغزالي على الرغم من أنه كان يفسح بعض المجال للفكر الفلسفي ، إلّا أنه كان يشتبه به ويراقبه بشدة . كان يقف على مفترق الطرق الذي يجمع بين التيارات الفكرية الكبرى في عصره ، أي : الأشعرية الغزالية ، والمعتزلية ، والفلسفية التابعة السينوية .